دفاع العرب Defense Arabia
العميد صلاح الدين الزيداني الأنصاري
خلفية تاريخية : فاغنر إسم تردد كثيرا في وسائل الإعلام خلال أحداث الحرب الروسية الأوكرانية إنها مجموعة مسلحة روسية خاصة تعمل تحت غطاء وزارة الدفاع , تأسست المجموعة المعروفة أيضاً باسم ” منظمة فاغنر” في منطقة كراسنودار الروسية في العام 2014 وهي تعتبر منظمة شبه عسكرية يصفها الكثيرون بأنها شركة عسكرية خاصة تعمل كقوة عسكرية بالوكالة لصالح الدولة الروسية.
عملت المنظمة في بدايتها تحت قيادة العقيد ديمتري أوتكين وبعد تقاعده تولى قيادتها يفغيني بريغوجين وهو من أختار لها هذا الإسم الحركي الذي قد يكون مستوحى من شخصية المؤلف الموسيقي الألماني ريتشارد فاغنر، الذي كان له تأثير كبير على الثقافة والموسيقى الأوروبية والروسية وبالنظر لخلفية التسمية والمهام الموكلة للمجموعة يمثل أكثر من مزيج من التاريخ والثقافة والرغبة في تكوين هوية قوية ومؤثرة للمجموعة الروسية في الساحة الدولية.
عرفت فاغنر أيضاً بإسم “الأوركسترا” و”الموسيقيين” وكان ذلك خلال معارك قوات فاغنر في أوكرانيا في مدن سوليدار وباخموت، حيث تكرر مشاهدة عناصرها وهم يعزفون على آلات موسيقية وبخاصة آلة الكمان ، بعد كل انتصار أو سيطرة على موقع، ويعتقد بأن التسمية جاءت نتيجة للانسجام الكبير بين أفراد المجموعة والتنسيق بينهم، مع قدرتهم على أداء مهامهم الجسيمة بسرعة وكفاءة في العمليات القتالية وفي الظروف الإستثنائية.
في عام 2022 إزداد نفوذ قائد المجموعة يفغيني بريغوجين لدى القيادة الروسية وبدأت القوة في إزدياد من حيث القوة البشرية حيث بلغ تعداد ملاكها من الأفراد إلى نحو 40.000 مقاتل في العام 2023 يعملون تحت شبكة واسعة النطاق تمارس أنشطة عسكرية وإقتصادية مكملة للقنوات الدبلوماسية الرسمية الروسية وتسعى دائماً إلى تحقيق مصالحها.

شملت فاغنر في تكوينها فروعاً متعددة منها العلاقات العامة والدعاية والأنشطة الإقتصادية وأنشأت موقعا على شبكة الأنترنت تعرض فيه خدماتها من التدريب إلى حماية الشخصيات والمؤسسات ومواقع إنتاج الموارد الطبيعية المهمة ولكن تجاوز دورها العسكري المهام الأمنية والأنشطة الإقتصادية وهذا ما جعلها طرفاً فاعلاً مستفيداً من التدخل في المنازعات في عدة دول أفريقية.
شاركت فاغنر بقوة وفعالية في العمليات القتالية في الحرب الروسية الأوكرانية خاصة بعد أن تكبَّد الجيش الروسي في الأشهر الأولى من الحرب خسائر كبيرة برزت بشكل كبير خلال معركتي باخموت وسوليدار وهو ما مكَّن بريغوجين من الحصولِ على صلاحيات أكبر لتعزيز قوته حتى أنه سمح له بتجنيد السجناء الروس في مجموعة فاغنر القتاليّة.
وكان لتلك الصلاحيات تأثير كبير على مجموعته وعلاقتها بأركان السلطة فالواقع يؤكد بأنها أصبحت تتحول يومًا عن آخر إلى جيش خاص، يعملُ خارج التشريع الروسي وخارج التسلسل الهرمي العسكري للاتحاد الروسي وهذا الوضع لم يكن مرضياً لقيادات وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة الروسية.
شاركت فاغنر في العديد من الأحداث والنزاعات في القارة الأفريقية وفرض ذلك وجود روسيا في واجهة الأحداث ومن خلالها أصبحت الأداة الفاعلة الوحيدة من خارج القارة التي فرضت وجودها في عدة عمليات قتالية فعلية ضد الحركات الإنفصالية ضد الحكومات الموالية لها وكذلك ضد الجماعات الإسلامية المسلحة.

وتمكنت روسيا من الدخول سياسيا بشكل قوي إلى عدد من الدول الأفريقية التي كانت تحت الهيمنة الفرنسية تاريخيا واقتصاديا وحتى عسكريا وقدمت نفسها مناصرة للاستقلال الأفريقي من الاستعمار الأوروبي، عن طريق دعم الأنظمة السياسية الصاعدة المناهضة للوجود الفرنسي في بعض البلدان مثل بوركينا فاسو والنيجر ومالي وأفريقيا الوسطى.
شغلت فاغنر أسماع العالم أكثر بعد تمردها المسلح ضد القيادة الروسية خلال أحداث الحرب الروسية الأوكرانية الذي قامت به في 24 يونيو، عندما أعلن مؤسسها الزحف على موسكو لتغيير القيادة العسكرية في البلاد لتعلن القيادة بأنها خرجت عن السيطرة ووفقاً لقوانين الدولة إتخذت إجراءات ضدها لوقف نشاطها المخالف , ثم جاءت النهاية الدراماتيكية لقائد فاغنر في حادث تحطم طائرة لتخفت الأضواء المسلطة عليها , لتعيد القيادة الروسية مجدداً النظر في أوضاعها وتعديل مسارها لتنطلق تحت قيادة وتسمية جديدة لتطور ملاكاتها وخدماتها وتنضوي تحت إسم فوة ( الفيلق الأفريقي).
الفيلق الأفريقي
كشفت روسيا مطلع عام 2024 عن تشكيل شبه عسكري بديل أطلقت عليه إسم “فيلق إفريقيا” استوعب مجموعة فاغنر ضمن تكوينه لينطلق مجددًا نحو إفريقيا ولكن هذه المرة بشكل معلن وتحت غطاء وإشراف رسمي من وزارة الدفاع الروسية.
يعمل الفيلق الأفريقي بقيادة الجنرال يونس بك إيفكوروف، نائب وزير الدفاع الروسي وتمثل مجموعة فاغنر النواة الأساسية للفيلق بعد أن تم دمج عناصر منها في قيادات وصفوف الفيلق الجديد ، الذي تقدر قوته حتى الآن من فرقتين إلى 5 فرق بقدرات قتالية عالية ومميزة تتمركز في مناطق مختلفة في دول القارة الافريقية.
ومؤخراً فتح الباب أمام العسكريين والمقاتلين الأفارقة ومن دول أخرى ممن يتمتعون بخبرات قتالية مهنية عالية للإلتحاق بالفيلق والعمل ضمن وحداته , والقيام بأعمال قيادة المركبات القتالية والدبابات وقيادة الطائرات المسيرة وأنظمة الرادار وتشغيل منظومات الدفاع الجوي.
تتوزع قوة الفيلق الأفريقي على ستة دول أفريقية رئيسة هي ليبيا مالي والنيجر وبوركينا فاسو ، وجمهورية إفريقيا الوسطى وأختيرت ليبيا كمركز قيادة للفيلق الإفريقي نظرًا لأهميتها الاستراتيجية وموقعها المهم على ساحل المتوسط.
استراتيجية روسيا في مناطق تمركز الفيلق تختلف عن نهج فاغنر الأكثر عدوانيةً وتركيزًا على القتال، فالتركيز يتم على تدريب القوات المحلية، وتزويدها بالمعدات، وتقديم خدمات أمنية، مع تركيز أقل على الاشتباكات المباشرة وذلك بهدف بناء القدرات دون نفس مستوى التدخل في الخطوط الأمامية والتقليل من خطر الإنحراف عن توجيهات موسكو والتورط في تجاوزات وانتهاكات متعمدة لحقوق الإنسان.
تشير التقديرات إلى أن الفيلق الإفريقي يضم في صفوفه بين 40 و45 ألف مقاتل ويعتقد بأن الهيكل التنظيمي العسكري للفيلق قد أستكمل ملاكاته بحلول صيف 2024، ووفقاً لما شاع من أخبار سيتلقى الفيلق تمويله وأوامره مباشرة من السلطات الروسية ممثلة في وزارة الدفاع , وهي التي تحدد مهامه ونطاق عمله الذي يشمل القارة الأفريقية, ومن المتوقع ألا يفك الفيلق الأفريقي ارتباطه كليا بمجموعة فاغنر، إذ منحت أولوية الانضمام لأفراد من مرتزقة فاغنر الروسية الذين يشكلون تقريبا نصف العدد الإجمالي لأفراد الفيلق، ثم إلى المقاتلين الروس الذين شاركوا في الحرب الروسية على أوكرانيا.
يتلقى مقاتلي الفيلق إمتيازات خاصة فرواتبهم تصل إلى نحو 3200 دولار، إضافة إلى الحصول على الرعاية الطبية وعدد من الامتيازات الاجتماعية، مع حصولهم على وثائق التأمين على الحياة والتأمين الصحي على حساب الميزانية الفدرالية.
الهدف من إنشاء الفيلق الأفريقي.
انشاء الفيلق الأفريقي يعد تطوراً حديثاً في السياسة العسكرية الروسية في القارة الإفريقية ويمكننا تلخيصه اهدافه العديدة والمتداخلة إلى ما يلي:
- تعزيز النفوذ الروسي في القارة الافريقية للعمل ضمن نطاق جيوسياسي جديد لإثبات وجودها كقوة فاعلة قادرة على تحدى المنظومة الغربية التي كانت تتفاخر بوجودها الفعلي العتيد في دول القارة بل إزاحتها من المشهد.
- المساعدة في مواجهة النفوذ الاستعماري الجديد للغرب على الدول الأفريقية ذات السيادة ودعم عمليات الانفصال عن فرنسا والسيطرة الأميركية والحلفاء الأوروبيين.
- السعي لتثبيت التوسع والنفوذ الروسي في إفريقيا لا سيما في دول الساحل التي شهدت انقلابات عسكرية مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، من خلال الدفع ببديل للحضور الفرنسي والأميركي.
- دعم حكومات الدول ذات التوجهات السياسية الموالية لها، وبناء علاقات اقتصادية واستراتيجية وحماية وتأمين مواقع الثروات الطبيعية التي كانت تحت سيطرة فاغنر سابقًا.
- دعم القوات الحكومية الموالية لموسكو عسكرياً في النزاعات والصراعات وتعزيز شرعيتها وتقديم خدمات الدعم التدريب والتأمين وتحسين صورة روسيا كداعم للأمن والاستقرار في إفريقيا.
تسليح الفيلق الأفريقي.
يعتمد تشكيل الفيلق الجديد على مجموعة فاغنر بل إنه في الواقع نسخة مطورة عنه أعيد إنتاجها , فقد حافظ الفيلق على المكونات الرئيسسية للقوة من الكوادر البشرية المدربة والمحترفة مع إجراء تعديلات في تسلسل القيادة لتصبح متعددة المستويات وذلك للحد من إستقلالية إتخاذ القرار الذي تمتعت به قيادة فاغنر سابقاً والذي صار لاحقاً وبالاً عليها.
يعتمد الفيلق الأفريقي على التسليح الروسي حيث تم تزويد الفيلق بأسلحة متنوعة، لضمان تنفيذ المهام العسكرية بفعالية ويستحوذ الفيلق في ترسانته المسلحة على مدرعات ودبابات ومنظومات حديثة من أسلحة المدفعية ومنظومات الطيران المقاتل والمسير وأنظمة الدفاع الجوي الميدانية ونظم للدعم اللوجستي , وقد شارك فعليا بنجاح في عدد من دول القارة ما عزز من سمعته القتالية كوحدة لها وزنها وتأثيرها.
وبالنسبة لأفراده فهم يعملون وفق استراتيجية أكبر يتم فيها تجنيد مقاتلين من خلفيات عسكرية مختلفة ومدربة جيداً للعمل في مختلف المناطق التي ينشط فيها ، مما يعزز من قدراته على تنفيذ عمليات معقدة وأكثر فاعلية ضد التهديدات المختلفة.
الدور المنتظر للفيلق الأفريقي.
يمثل الفيلق الأفريقي جزءاً من استراتيجية روسيا الجديدة لإعادة بناء نفوذها الجيوسياسي في إفريقيا ويتمثل دوره في ما يلي :
- بناء تحالفات جديدة وتوسيع نفوذ روسيا وتعزيز قواها العسكرية في المنطقة بإستخدام قوة منظمة مع الإستفادة من الفراغ الذي خلفه الغرب لفرض نموذجها الخاص من النفوذ العسكري والاقتصادي وهذا الوضع ترى فيه القوى الغربية تحديًا جديدًا يتطلب إعادة تقييم التوازن والنفوذ في العالم.
- دعم الدول الاستراتيجية الصديقة لها مثل ليبيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى ما يضمن وجود عسكري روسي منظم وعلني فيها بالإضافة إلى تقديم الدعم الأمني والعسكري للمؤسسات الحكومية في مواجهة الجماعات المسلحة، مما يعزز استقرار الدول الصديقة لروسيا وتعزيز مواجهة النفوذ الغربي خصوصاً الفرنسي والأمريكي في عموم المنطقة.
- حماية المصالح الاقتصادية الروسية عبر السيطرة على الموارد المعدنية مثل الذهب والنفط في بعض الدول الأفريقية، بالإضافة إلى تقديم الدعم الأمني والعسكري للمؤسسات الحكومية في مواجهة الجماعات المسلحة، مما يعزز استقرار الدول الراغبة في التعاون مع روسيا.
- التأثير على تدفقات ما يطلق عليه الهجرة غير الشرعية من دول الساحل والقارة الأفريقية عبر البحر الأبيض المتوسط نحو أوروبا، كأداة ضغط روسية على السياسة الأوروبية.
- يظهر الفيلق كجزء من استراتيجية موسكو لمواجهة النفوذ الغربي في القارة وتأمين موضع استراتيجية لها طويلة الأمد في القارة السمراء وذلك ضمن سياق الصراع الدولي وتداخل المصالح والسياسات ما يفاقم المنافسة بين القوى الكبرى في أفريقيا.
The post الفيلق الأفريقي… الوجه الجديد لفاغنر appeared first on Defense Arabia.
