دفاع العرب Defense Arabia
سامي أورفلي
خلال جلسة صحافية عقدتها شركة لوكهيد مارتن على هامش فعاليات معرض دبي للطيران، تم تسليط الضوء على الأبعاد الاستراتيجية لمقاتلة F-35 التي تتجاوز بكثير كونها مجرد طائرة قتالية متقدمة. فبعيدًا عن ضجيج الأداء الحركي وقدرات التخفي، تكمن القوة الجوهرية للـ F-35 ليس في بصمتها الشبحية أو سرعتها، بل في فلسفتها الثورية كمنصة قائمة على التكامل المُعمَّق للبيانات والترابط الشبكي.
هذا التحول يرفع مكانتها من مجرد طائرة مقاتلة إلى العصب المركزي لساحة المعركة الحديثة متعددة النطاقات.
1. ثورة البيانات: كيف يحسّن الأسطول العالمي لمقاتلات F-35 نفسه؟
يمثّل النّهج المُتّبع في إدارة الأسطول العالمي لمقاتلات F-35 تحوّلًا جذريًا عن الأجيال السابقة. فبدلاً من أن تُشغّل كل دولة أسطولها بمعزل عن الآخرين، تتبنّى F-35 فلسفة “التعهيد الجماعي للبيانات” (Crowdsourcing). لتقريب الفكرة، يمكن تشبيه هذا النظام بالتطبيقات الذكية؛ فكلما ازداد عدد الأصول المساهمة بالبيانات، أصبحت المعلومات أكثر دقة وفائدة للجميع. وبالمثل، كلما تزايدت البيانات التي يجمعها أسطول F-35 العالمي، ارتفعت كفاءة الأسطول بأكمله بشكل مُتسارع.
فعلى سبيل المثال، تختلف البيانات التشغيلية المُجمَّعة من طائرة تُحلّق في البيئة الباردة بالنّرويج، حيث تكون الطلعات أطول زمنًا وأقل تكرارًا، عن تلك القادمة من أستراليا، حيث تعمل المقاتلة في مناخ حار وجاف بطلعات أقصر ودورات تشغيل أكثر كثافة. من خلال دمج هذه البيانات المتنوعة والمُتباينة، يكتسب النظام معلومات حول تأثير الظروف البيئية المختلفة على مكونات الطائرة، مما يُمكّن من تحسين الصيانة الاستباقية ورفع الجاهزية التشغيلية للأسطول ككل.
يُناقض هذا النموذج الشبكي المترابط النمط التقليدي لمقاتلات الجيل الرابع، مثل F-16، الذي وُصف بأنه “24 أسطولًا مختلفًا لا تتواصل فيما بينها”. وقد أسفر هذا النهج القائم على البيانات عن نتائج تشغيلية ملموسة كخفض تكلفة ساعة الطيران بنسبة 50% على مدى السنوات العشر الماضية ومضاعفة كفاءة الصيانة، حيث أن ساعات عمل الصيانة المطلوبة لكل ساعة طيران هي نصف ما تتطلبه طائرات الجيل الرابع، مما يعني إنجاز نفس مهام الصيانة بنصف القوى العاملة.
لهذا السبب، فإن إجراء مقارنة مباشرة لتكلفة ساعة الطيران مع مقاتلات الجيل الرابع يُعد مقارنة مضللة أو “مقارنة غير متكافئة”. والسبب الرئيسي هو أن طائرة F-35 “تُولَد جاهزة للقتال”، حيث تشمل تكلفتها الأساسية مجموعة من الأنظمة المدمجة التي تُعتبر إضافات خارجية باهظة الثمن للطائرات الأقدم. وتشمل هذه الأنظمة المدمجة:
- أنظمة الحرب الإلكترونية (ECM Pods).
- خزانات الوقود الخارجية.
- نقاط التعليق وحوامل الأسلحة (Pylons & Bomb Racks).
- قضبان الصواريخ (Missile Rails).
هذه الكفاءة التشغيلية المُكتسَبة من البيانات هي القاعدة التي تُبنى عليها قدرات قتالية غير مسبوقة من منظور الطيار.
2. ساحة المعركة من منظور الطيّار
إن مصطلح “الجيل الخامس” لا يمثل مجرد حداثة تقنية، بل هو تحول جوهري في كيفية إدراك الطيار للموقف التكتيكي في ساحة المعركة، مما يُمكّنه من اتخاذ قرارات تكتيكية بسرعة الإدراك والرد التي لم تكن ممكنة سابقًا. يمكن تجزئة هذا التحول إلى ميزتين استراتيجيتين:
أ. الشبحية كأداة للبقاء: ما وراء التخفي الراداري
لا تعني الشبحية في F-35 “الاختفاء المطلق”، بل هي تقنية مصممة لـ “خفض المقطع العرضي الراداري” (RCS) إلى أقصى درجة ممكنة. يتحقق ذلك عبر مزيج من التصميم الهندسي ذي الحواف المتوازية، والمواد المُمتصة للرادار (RAM)، والمحرك المدمج الذي يقلل من البصمة الحرارية والرادارية. من وجهة نظر الطيار، تُترجم هذه الميزة التقنية المُعقدة إلى عامل واحد حاسم: “البقائية” (Survivability). وكما قال أحد الطيارين: “إذا لم تتمكن من رؤيتي قبل أن أتمكن من رؤيتك، فلا يمكنك استهدافي”. هذه القدرة على البقاء في بيئات مشبعة بالتهديدات هي الركيزة التي تُبنى عليها جميع المهام الهجومية والدفاعية للمقاتلة.
ب. دمج المستشعرات: من عبء إدراكي إلى تفوق تكتيكي
تُعد ميزة “دمج المستشعرات” (Sensor Fusion) الأكثر تأثيرًا وثورية في F-35. في مقاتلات الجيل الرابع، كان الطيار يتلقى البيانات من كل مستشعر بشكل منفصل (الرادار، نظام الاستهداف، أنظمة التحذير) وتُعرض على شاشات متباينة. كان يتوجب على الطيار أن يقوم شخصيًا بعملية دمج وتحليل هذه المعلومات لتكوين صورة تكتيكية شاملة، وهو ما يمثل عبئًا إدراكيًا هائلاً تحت ضغط العمليات القتالية.
أما في F-35، فتقوم الطائرة بهذه المهمة تلقائيًا. حيث تجمع البيانات من رادارها المتقدم (AESA)، ونظام الفتحة الموزعة (DAS) الذي يوفر رؤية محيطية بـ 360 درجة، ونظام الاستهداف الكهرو-بصري (EOTS)، وتدمجها جميعًا في صورة واحدة متكاملة وواضحة لساحة المعركة تُعرض مباشرة على خوذة الطيار. هذا الدمج الآلي يحرر الطيار من مسؤولية تفسير البيانات الأولية، ويُمكّنه من التركيز على الأهم: اتخاذ قرارات تكتيكية استراتيجية عالية المستوى.

3. العقدة المركزية: F-35 كمُضاعِف للقوة في العمليات المشتركة
يتجاوز دور F-35 كونها مقاتلة متفوقة ليصبح “العقدة المركزية” في عقيدة العمليات المشتركة متعددة النطاقات (JADO). بفضل قدرتها الفائقة على جمع المعلومات من مستشعراتها المتقدمة، لا تكتفي المقاتلة باستخدام هذه البيانات لتحقيق مصلحتها التكتيكية الخاصة، بل تقوم بنشرها ومشاركتها بسلاسة مع الأصول الصديقة الأخرى في ساحة المعركة، سواء أكانت وحدات بحرية، أو منصات مدفعية أرضية، أو طائرات أخرى في الجو.
وتم تقديم دراسة حالة مذهلة توضح هذه الإمكانية: في تمرين حديث، قامت طائرة F-35 بالربط الشبكي مع مركز قيادة وتحكم لدولة حليفة عبر المحيط، وزودت وحدة مدفعية صاروخية أرضية ببيانات استهداف دقيقة وفورية. يبرهن هذا المثال كيف تحول F-35 الأصول الأخرى إلى أدوات قتال أكثر فتكًا ودقة، مما يضاعف من القدرة القتالية للمنظومة بأكملها. هذه القدرة الشبكية تعزّز بشكل مباشر مفهوم “التوافقية العملياتية” (Interoperability) بين الدول التي تشغل المقاتلة، وتحول الأساطيل الوطنية المنفصلة إلى قوة تحالف متكاملة، وهو ما يمثل جوهر الردع العسكري المعاصر.
4. مستقبل المنصة: مسار التطور المستمر ومواجهة التحديات
إن F-35 ليست مجرد منصة ثابتة، بل هي نظام حي يتطور باستمرار لمواجهة التهديدات المُستجدة والتكيف مع المتطلبات العملياتية المتغيرة. ترتكز خطة التحديث الرئيسية للمقاتلة على مكونين محوريين:
- تحديث TR-3 (Tech Refresh 3): يوصف بأنه “العمود الفقري” التقني، وهو عبارة عن ترقية شاملة للعتاد (Hardware) والبرمجيات (Software) الأساسية. لا يضيف هذا التحديث قدرات جديدة بشكل مباشر، لكنه يوفر القوة الحاسوبية والذاكرة اللازمة لاستيعاب وتفعيل القدرات المستقبلية.
- تحديث Block 4: يُعرّف بأنه “التطور الأكثر أهمية” في تاريخ المقاتلة. وهي حزمة ضخمة تشمل 75 ترقية رئيسية تمس جوانب الطائرة كافة، بدءًا من الدعم اللوجستي وتخطيط المهام، وصولًا إلى دمج أنظمة أسلحة جديدة وتطوير المستشعرات، بناءً على الملاحظات المباشرة من الأساطيل التشغيلية.
ومع هذا الطموح، عكس النقاش المفتوح خلال الجلسة الصحفية نضج البرنامج٫ فالإقرار الصريح بقيود الإنتاج وتحديات الاستدامة مثل التآكل، يشير إلى انتقال البرنامج من مرحلة التطوير الأولي إلى مواجهة الحقائق المعقدة لإدارة أسطول عالمي ضخم على المدى الطويل. فقد أشير إلى تحديد معدل الإنتاج السنوي بـ 156 طائرة لضمان “الاستقرار الاقتصادي” لسلسلة التوريد العالمية. كما تم الاعتراف بمشكلات فنية قيد المعالجة، مثل “قضية التآكل”، بالإضافة إلى تأخيرات في الجدول الزمني لتحديث Block 4، الأمر الذي دفع “لوكهيد مارتن” إلى استثمار مئات الملايين من الدولارات من مواردها الخاصة لتسريع وتيرة العمل.
هذه الشفافية في عرض التحديات تؤكد على الطبيعة المعقدة لإدارة برنامج بهذا الحجم، وتبرز الأهمية الاستراتيجية لضمان تفوقه المستقبلي.
إعادة تعريف القوة الجوية للقرن الحادي والعشرين
في المحصلة، تتجاوز القيمة الاستراتيجية لمقاتلة F-35 المواصفات الفنية المنفردة من سرعة أو قدرة على المناورة. إن قيمتها الحقيقية تكمن في كونها نظامًا بيئيًا متكاملًا يعتمد على البيانات، والدمج، والترابط الشبكي. هي منصة تكتسب المعلومات من تجاربها، تُمكّن طيارها من اتخاذ قرارات أسرع وأكثر فعالية. هذا يقودنا إلى سؤال استراتيجي أوسع: في عصر تتزايد فيه أهمية المعلومات على العتاد، هل تمثل F-35 مستقبل القوة الجوية، أم نموذجًا لكيفية دمج الذكاء الاصطناعي والشبكات في جميع فروع القوات المسلحة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ملامح التفوق العسكري للعقود القادمة.
The post كيف أصبحت مقاتلات “إف-35” الشبحية “العقدة المركزية” للحرب المستقبلية؟ appeared first on Defense Arabia.

