دفاع العرب Defense Arabia
سامي أورفلي
استهلت شركة لوكهيد مارتن مؤخراً سلسلة من الإحاطات الإعلامية الاستراتيجية، كاشفةً عن تحولات هيكلية جذرية في قطاع الدفاع الصاروخي العالمي. وأكدت الشركة التزامها الراسخ بتعزيز قدرات الردع عبر تطوير منظومتي “THAAD” و”PAC-3″، اللتين تشكلان حجر الزاوية في محفظة جيسون رينولدز، نائب الرئيس لبرنامج الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل.
وشدد رينولدز على الأهمية الحيوية لهذه الأنظمة، لا سيما في مسرح عمليات الشرق الأوسط، مشيراً إلى مرور عقد كامل على دخول نظام “THAAD” الخدمة في المنطقة (طُلب في 2011، وبدأ التشغيل في 2015)، مسجلاً أول “اشتباك قتالي” ناجح له في عام 2022. وبالتوازي، أثبتت منظومة “PAC-3” كفاءة عملياتية قصوى بنجاحها في التصدي لـ “100% من التهديدات” أثناء هجوم منسق استهدف قاعدة أمريكية في قطر؛ وهي وقائع ميدانية تفرض ضرورة رفع الجاهزية التكنولوجية والصناعية لمجابهة التهديدات غير التقليدية.
سباق الإنتاج وتصحيح العيوب الهيكلية في الدفاع الجوي
تُؤكّد الزيادة غير المسبوقة في الإنتاج العالمي لأنظمة PAC-3 و THAAD، الموازية لخطوات الدمج الجريئة في البيئات البحرية والسعي وراء قدرات الكشف الشامل (360 درجة)، أن الصناعة الدفاعية وصلت إلى نقطة تحول حاسمة. هذه النقطة تكشف عن فجوة صارخة بين القدرة التصنيعية الحالية والطلب الإقليمي والدولي الهائل، مما يُحتّم استثماراً عاجلاً في سلاسل الإمداد لمعالجة قصور “رادارات القطاع” التاريخية وضمان التفوق الدفاعي المستدام في وجه التهديدات المعقدة.
سباق المصانع وتحدي الـ 650 صاروخاً
تَوّجَت لوكهيد مارتن جهودها بتوقيع “عقود كبيرة جداً” مؤخراً لكل من PAC-3 و THAAD، ما يُبشّر بطفرة إنتاجية غير مسبوقة. قَفزت الطاقة الإنتاجية لصاروخ PAC-3 MSE بشكل متسارع، حيث ارتفع معدل الإنتاج السنوي من حوالي 300 صاروخ قبل سنوات قليلة ليصل اليوم إلى طاقة مصنعية مُصنّفة بـ 500 صاروخ، مع خطط للوصول إلى 550 بحلول نهاية العام التقويمي الحالي.
تُعزّز الشركة هذا التسارع بتصريحات جريئة، مُعلنةً أنها ستنتج فعلياً “ما يزيد عن 600” صاروخ هذا العام. ويطمح المصنعون إلى تحقيق رقم يتجاوز 650 صاروخاً سنوياً بحلول العام المقبل (2025)، أي قبل الموعد المُتعاقد عليه (2027) بعام كامل.
يُشير هذا الارتفاع القياسي في الإنتاج إلى ضغط دولي هائل، حيث أكد رينولدز أن إنتاج 600 أو حتى 650 صاروخاً سنوياً “ليس كافياً” لتلبية الطلب. هذا التسارع، الذي يُطبّق على الاحتياجات المحلية والدولية، يجد صداه الأكبر في منطقة الشرق الأوسط التي تُمثل “بعضاً من أكبر عملائنا”. وتحديداً، أعربت دول الخليج مثل المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، والكويت عن طلب عالٍ جداً.
في موازاة ذلك، يُخطط لنظام THAAD لزيادة إنتاجه، مما سيؤدي إلى “مضاعفة الإنتاج الحالي 4 مرات” بمرور الوقت. هذه الزيادة ضرورية لتغذية احتياجات الجيش والبحرية الأمريكية والطلب الدولي المتزايد، خاصةً أن الصواريخ التي يتم الحديث عن إنتاجها هي صواريخ PAC-3 MSE حصرياً، بينما يتم إنتاج الصاروخ القديم (PAC-2) في مصنع آخر.
توسيع الجبهة: PAC-3 في نظام إيجيس البحري
انتقلَت استراتيجية الدفاع الصاروخي بخطوات حاسمة نحو دمج PAC-3 في البيئة البحرية، وهو تحول استراتيجي يُطلق عليه “أخذ PAC-3 إلى البحر”.
يَهدفُ هذا التوجه إلى دمج صاروخ PAC-3 MSE مع نظام القتال Aegis، الذي يعتمد على رادارات مثل رادار SPY-1 الموجود على معظم المنصات البحرية. يُمكّن هذا التكامل البحرية الأمريكية والأساطيل الحليفة حول العالم من استخدام PAC-3 كسلاح دفاع جوي فعال عائم.
أثبتَت لوكهيد مارتن جدوى هذا التكامل عبر اختبار بري ناجح، أكد قدرة الصاروخ على الإطلاق من أنبوب نظام الإطلاق العمودي Mark 41 (VLS)، وهو نظام الإطلاق القياسي على السفن الحربية. ويتطلب ذلك طي زعانف الصاروخ ليناسب الأنبوب.
ومن المُقرر إجراء عروض إطلاق من السفن في غضون عامين، على أن يتم دمج النظام بالكامل “قبل نهاية هذا العقد”.
يُشكلُ هذا الدمج ميزة تكتيكية وإقتصادية، حيث يُعتبر PAC-3 “أرخص بكثير” من صواريخ SM-6، ولديه قدرات “تكميلية”. ورغم أن PAC-3 لا يؤدي مهمة سطح-سطح (Surface-to-Surface) مثل SM-6، إلا أنه يتميز بفاعلية أعلى في مهمة الدفاع الجوي، مما يسمح للبحرية الأمريكية والدول الأخرى بتخصيص صواريخ SM-6 لمهام أخرى أكثر تعقيداً.
إغلاق الثغرات: ضرورة الكشف الشامل (360 درجة)
تُواجه شبكات الدفاع الصاروخي تحدياً بنيوياً بسبب اعتماد الأنظمة الحالية، بما في ذلك Patriot القديم و THAAD، على رادارات “قطاعية” (Sector Radar) لا ترى إلا في اتجاه معين.
تُحذّرُ الشركة من أن هذه النقطة الحرجة تجعل المنصات “عرضة للخطر” إذا جاء التهديد “من خلف ذلك الرادار”. وهو ما دفع شركات الدفاع للتوجه نحو أنظمة الكشف الشامل (360 درجة)، لا سيما بعد الهجمات الأخيرة في المنطقة.
تُمثّل تكنولوجيا رادار التمييز طويل المدى (LRDR) الحل لهذا القصور. يُعد LRDR نظاماً ثابتاً (Fixed) و”حساساً للغاية” يعمل بزاوية 360 درجة، ومصمماً للكشف عن “جميع التهديدات” وتمييزها، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والفرط صوتية (Hypersonic). هذا الرادار، الذي يعمل حالياً في كلير ألاسكا لصالح وكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية، يحظى باهتمام متزايد.
يُبرز الاهتمام الإقليمي المرتفع بهذه التقنية الحاجة المُلحة لزيادة الوعي الظرفي، حيث أعربت كل من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية عن “اهتمام عالٍ” بهذا النظام. يُمكن لـ LRDR، بمجرد دمجه، توفير بيانات الاستهداف اللازمة لمنصات إطلاق PAC-3 و THAAD، ما يُوسّع ساحة المعركة ويسمح باستخدام أجهزة استشعار مختلفة دون أن تكون المنظومة بأكملها مقتصرة على رؤية قطاعية ضيقة.
دروس قتالية وقدرات حركية متفوقة
أكدت الإحاطات على أنظمة PAC-3 و THAAD نجاحها القتالي، لا سيما في مواجهة الهجمات المعقدة. فبينما دخل نظام THAAD “الاستخدام القتالي” في عام 2022، نجح PAC-3 في التصدي لـ “100% من التهديدات” خلال هجوم منسق على القاعدة الأمريكية في قطر.
كشفت التجربة الميدانية في قطر عن درس عملياتي حيوي وهو أنه رغم أن وحدات الإطلاق القطرية والأمريكية كانت مزودة بصواريخ PAC-3 MSE وتعمل في نفس المنطقة، إلا أنها لم تكن “متصلة مادياً”. وبسبب السلوك غير المتوقع للتهديدات، انتهى الأمر في بعض الحالات بإطلاق كلا الطرفين النار على “نفس الأهداف”. يَستلزم هذا التداخل العمل على تحسين “مذهب الإطلاق” (Shot Doctrine) والتنسيق المستقبلي لضمان كفاءة أكبر.
بالنسبة للتهديدات عالية السرعة، أوضحت لوكهيد مارتن أن THAAD مصمم للعمل في نطاق الارتفاعات العالية جداً، بما في ذلك “الفرط صوتية” في ذلك النطاق. بينما يتدخل PAC-3 لمعالجة التهديدات الفرط صوتية التي تسافر على ارتفاعات أقل من قدرة THAAD [19، 20]. وفي هذا الصدد، أشار جيسون إلى أن PAC-3 أثبت نجاحه في إصابة “معظم الصواريخ الروسية الفرط صوتية في أوكرانيا”.
على المستوى التقني، تعتمد كلتا المنظومتين على تكنولوجيا “الضرب للإهلاك” (Hit-to-Kill)، وهي تكنولوجيا رائدة. يُوصف PAC-3 بأنه “أكثر صاروخ دفاع جوي رشاقة على هذا الكوكب”، بفضل محركات التحكم في الاتجاه والمحرك ثنائي النبضات الذي يمنحه القدرة على ضرب الهدف مباشرة وتدميره بالكامل بالطاقة الحركية.
يُبرز هذا التسارع تحدياً لوجستياً دقيقاً في سلسلة الإمداد. أشار رينولدز إلى أن نقطة الاختناق الأكثر أهمية في إنتاج PAC-3 هي نظام الباحث (The Seeker)، الذي “يستغرق أطول وقت في البناء” وهو المكون “الأكثر أهمية”.
دعوة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد
يُشير الارتفاع غير المسبوق في إنتاج أنظمة PAC-3 و THAAD، مقترناً بالتوسع في القدرات البحرية وتركيز الضوء على الكشف الشامل (360 درجة)، إلى أن الدفاع الصاروخي المتكامل لم يعد خياراً تكتيكياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية قصوى. لقد كشفت الإحاطة عن أن الشركات الرائدة، وعلى رأسها لوكهيد مارتن، مضطرة لكسر سقف الإنتاج التقليدي، حيث أن 650 صاروخاً سنوياً، وهي قفزة نوعية، “ليست كافية” لتلبية الطلب.
يَحثّ هذا الواقع الجديد على التفكير في أبعاد التحدي الأعمق، وهو مرونة سلاسل الإمداد. إن ضمان التفوق الدفاعي المستمر للدول العميلة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تشهد تصعيداً مستمراً للتهديدات الباليستية والفرط صوتية، يتطلب التغلب على قيود المكونات الحرجة (مثل الباحث في PAC-3) وزيادة الاستثمار في الإنتاج المشترك.
تُشكّلُ القدرة على دمج أنظمة الكشف LRDR بزاوية 360 درجة مع منصات إطلاق PAC-3 و THAAD فرصة لتعزيز المناعة الدفاعية ضد التهديدات القادمة من زوايا غير متوقعة. على صانعي القرار والدول المستفيدة من هذه الأنظمة أن يُسارعوا ليس فقط في طلب المزيد من صواريخ الاعتراض، بل في دعم خطط الشركات لتعزيز “قدرتها الاستيعابية” وتوفير مصادر متعددة للمكونات المعقدة، لضمان أن تكون هذه الطفرة الإنتاجية نقطة تحول حقيقية، لا مجرد استجابة مؤقتة لحالة طوارئ عالمية.
The post كيف تعيد “لوكهيد مارتن” رسم خريطة الدفاع الجوي المتكامل عالمياً؟ appeared first on Defense Arabia.
